المنسحب من اللهيب..
تلك أوّل ليلةٍ يعبرها الغيابُ بعد ارتحالك..
وآخر ما تبقّى من نهارٍ حملك بعيدًا عن مرافئها..
حسبتْ أنّ فيك من بأس الرجال ما يُغريك باللهيب..
وأنّك قادرٌ على مجاراة أنثى تُشبه الحريق إذا ابتسم..
والعاصفة إذا اشتهت والهاوية إذا أغوت..
فظنّت أنّك ستدخل نارها كما يدخل الفاتحُ مدينته..
فإذا بك تُدبر عنها مدبرَ الخائف من شرارةٍ توهّم فيها احتراق عمره كلّه..
أما كنتَ في البدايات تقول لها: ما شدّني إليكِ إلا ذلك الهيام الذي لا يُروَّض، وذلك الجنون الذي لا يُؤطَّر؟.
فما بالُك اليوم تجمع شتاتك، وتحمل خيبتك على كتفيك وتمضي مردّدًا أنّ النار استعرت أكثر مما ينبغي، وأنّك تخشى أن تلتهمك حتى لا تُبقي منك سوى قبضة رماد؟.
أما كانت تظنّ أنّك ستأتيها يومًا بجرّةٍ صغيرة تضمّ ما أبقته فيك من رمادٍ وتقول: هذا بعض ما نجا من احتراقي بكِ، فهل آن أوان القبول أم أنّ للهوى شرائعَ تتبدّل كلّ حين؟..
أيُّ رجلٍ كنتَ يوم وقفتَ أمامها مزهوًّا بقلبك، وأيُّ رجلٍ أصبحتَ يوم ولّيت عنها هاربًا؟
لقد علمت أنّ الجنون القابع في أعماقها أضيق من أن يتّسع له أحد، وعلمت أنّ عبثها يُكسبها ملامح الشرّ أحيانًا، غير أنّها كانت تؤمن بأنّ ثمّة رجلًا سيجيء ذات قدر، فيمضي معها إلى آخر الطريق، لا يلتفت ولا يتراجع ولا يساوم المصير..
لكنّ خاتمة المشهد لم تهدها سوى آثار خُطاك المنسحبة على ترابٍ ندِيّ، كأنّ الأرض نفسها كانت تحفظ شهادة الفرار..
أكان عشق امرأةٍ يلفّها الليل..
وتغذّيها الفوضى، أثقلَ مما تطيق روحك؟..
لا بأس.
فالطريق ما يزال في أوّله، والرحلة لم تبلغ غير عتبتها الأولى، وما زالت تتعلّم للعبة الهوى قوانين جديدة..
فارحل إذن.
وامضِ إلى البحر..
وقف عند تخوم الموج..
وأحبب امرأةً تُشبه الأغنيات الوديعة..
وتُجيد الحلم أكثر مما تُجيد الاحتراق..
عش معها حكايةً رخوةً كالسحاب، وشفّافةً كأمنية..
فذلك الحبّ يشبهك أكثر..أما نار الأنثى التي تقتات من لهيبها، فلا تظننّ يومًا أنّ الاقتراب منها نزهة.
حُبها ليس حياةً تُعاش بل فناءٌ يُرتَضى..


